محمود ماضي
149
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
5 - يقول المستشرق الإنجليزى لايتنر LIGHTNER « بقدر ما أعرف من ديني اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ليس اقتباسا بل قد أوحى إليه ربه ، ولا ريب بذلك طالما نؤمن بأنه قد جاءنا وحى من لدن عزيز عليم ، وإني بكل احترام وخشوع أقول : إذا كان تضحية المصالح الذاتي ، وأمانة المقصد ، والإيمان القوى الثابت والنظر الصادق الثاقب بدقائق وخفايا الخطيئة والضلال ، واستعمال أحسن الوسائط لإزالتها ، فذلك من العلامات الظاهرة الدالة على نبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » وأنه قد أوحى إليه » « 1 » . إضافة إلى ذلك يقول هنرى دىكاسترى : « ثبت إذن أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » لم يقرأ كتابا مقدسا ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه » « 2 » . المستشرقون يخبطون في كل اتجاه فإن لم يصب السهم يصيب الآخر ، والثالث . . . ولا شك أن هذه سمة الكذاب ، فهو يطلق الكلام عله يصيب ويصدقه أحد . فلما ثبت أن محمدا لم يتلق شيئا من الأحبار ولا الرهبان ، فلعله تلقى وحيه من الشعراء العرب ، وما أفصحهم وما أعلمهم . ادعى المستشرق « كليمان هوار » ( HUAAR ) أنه اكتشف مصدرا جديدا للقرآن ، هو شعر أمية بن أبي الصلت « 3 » . لا شك أن أمية كان يعيش في نفس بيئة رسول اللّه ، وأن عمريهما متقارب ، وأعلن محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » على مسمع من جميع معاصريه بأنه يتلقى وحيه عن اللّه وأنه لا يتلقى شيئا عن بشر . ولنأخذ في اعتبارنا موقف خصومه فلقد كانوا دائما على يقظة لأقل ثغرة ليواجهوا من خلالها ضربتهم . ألم يكن من الأيسر لهم أن يضعوا يده على مسروقاته المفضوحة من شعر أمية الذي لم يكن قد جف مداده ، بدلا من أن يوجهوا حججهم في كل اتجاه ؟ إن هذه النتيجة تؤدى إلى نتيجة أخرى أهم هي : أن القرآن هو الذي كان أساس الإنتاج الأدبي في عصر نزوله ، فضلا عما بعده . ولقد لاحظ « هوارت » أن شعر أمية يرجع إلى عدة مصادر مختلفة : فعند ما يتكلم
--> ( 1 ) - لايتنر : دين الإسلام ص 4 ، 5 مصدر سابق . ( 2 ) - هنرى دىكاسترى : المصدر السابق ص 6 ، وأيضا : د . عماد الدين خليل : السابق ص 134 . ( 3 ) - المجلة الأسيوية 1904 م ، د . تهامي نقره : القرآن والمستشرقون ( مناهج المستشرقين ج 1 ) ص 33 .